عبد العال سالم مكرم

19

من الدراسات القرآنية

ولما ضعف المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها تطلع الاستعمار باسم هذا الحضارة إلى السيطرة على بلادهم ، واغتصاب ثرواتهم ، وتبديد ما لديهم من قيم ، وسلب ما بقي لهم من تراث . على أن التراث الإسلامي ، وهو أثمن ما تملكه الأمة الإسلامية والعربية ، لم ينج من خطر هذا الاستعمار ، بل إن عدّة مؤامرات حيكت حوله ، من أجل جمعه والاستيلاء عليه ، بأي ثمن ، وبأية طريقة ، ليفقد المسلمون هذا التراث الذي يعتزون به من ناحية ، وليقدمه لهم المستشرقون بعد ذلك مشوها من ناحية أخري ، ليكون وسيلة تضليل تشكك المسلمين في هذا التراث لينقطع الخيط الذي يربط الأمة الإسلامية بماضيها التليد ، وأمجادها السالفة ، فتعيش بلا تاريخ ، وتحيا بلا ماض ، ومن ثم تهتز ثقتها بنفسها ، فتكون كالشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار ، وقد عثر في مكتبة ( دير الشوير ) بلبنان على وثائق تثبت هذه الحقيقة ، ومن هذه الوثائق الوثيقة التي تنص على أنه ( في سنة 1671 م أرسل عالي الجناب الملك لويس الرابع عشر رسله إلى جميع بلدان الإسلام لشراء المخطوطات ، وزود مبعوثيه بأوامر شريفة إلى جميع القناصل الفرنساوية ليضعوا رجالهم وأموالهم في خدمة هذه الغاية ) « 1 » . أليست هذه الوثيقة تثبت في صراحة ووضوح تآمر الاستعمار الأوربى منذ القرن السابع عشر على تراثنا لتبديده ، أو تشويهه ، أو مسخه ؟ وإذا فقدت الأمة تراثها ، فقدت أغلى ما تملك ، بل فقدت نفسها ، ومسحت وجودها من التاريخ . ولا شك أن تراثنا الإسلامي والعربي مصدره الأول القرآن الكريم ، فهو الينبوع الذي استقت منه المعارف والعلوم ما أمدها بالحياة ، وما بعث فيها الحركة والازدهار . وهذا القرآن الكريم هو الخطر الأكبر في وجه الاستعمار ، فما دام المسلمون يحافظون على القرآن حفظا وعلما وعملا فإن مطامحهم تتحطم على صخرته العاتية ، لأنه قوة تعمل عملها في النفوس ، فتحول الضعف إلى قوة ، والعجز إلى حركة ، واليأس إلى أمل : وصدق اللّه العظيم لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ « 2 » .

--> ( 1 ) الإسلام والمستشرقون ص 21 . ( 2 ) الحشر : 21 .